FP: العملة اللبنانية انهارت ولا أحد يعرف سعر صرفها الآن
عربي ٢١ -

قالت مجلة "فورين بوليسي" إن اللبنانيين يخوضون صراعا يوميا مع البؤس واللامعقول، خاصة في ظل وجود ما لا يقل عن أربعة أسعار صرف مختلفة إلى حد كبير يتم من خلالها تحويل الليرة اللبنانية إلى الدولار الأمريكي.

 

وأشارت الصحيفة في تقرير ترجمته "عربي21"، إلى أنه في عام 1997، تم ربط الليرة بالدولار بمعدل 1500 ليرة للدولار الواحد،، وتم استخدام الاثنين بالتبادل على هذا الأساس حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2019. ولكن بعد انزلاق البلاد في أزمة اقتصادية قبل عام ونصف، فقدت العملة قيمتها بشكل حاد في السوق المفتوحة، حيث خسرت 80 بالمئة إلى 90 بالمئة من قيمتها، حتى مع بقاء السعر الرسمي ثابتا عند ربط عملته في عام 1997.


وتجنبا لسحب الأموال من البنوك، مُنع اللبنانيون بعد ذلك من سحب الدولارات المودعة قبل الأزمة الاقتصادية. يمكنهم السحب بالليرة اللبنانية ولكن بخسارة مقارنة بسعر السوق. وسمح البنك المركزي بالسحب بسعر حُدد بشكل تعسفي عند 3900 ليرة للدولار، حتى مع ارتفاع سعر السوق عن ذلك، حيث وصل إلى 15 ألف ليرة للدولار في مرحلة من الشهر الماضي. واستقر الآن بين 11 ألف و 11500 ليرة للدولار حتى الأسبوع الماضي. في غضون ذلك، ظهر سعر صرف رابع قدره 6240 ليرةا للدولار عندما اقترح البنك المركزي إصدار أموال بهذا المعدل إلى 800 ألف مستفيد من قرض مساعدات طارئة من البنك الدولي بقيمة 246 مليون دولار.


باختصار، فإن اللبنانيين الذين ذوي الدخول المتواضعة يعيشون الآن في متاهة محيرة للعقل من أسعار الصرف المتعددة ويدفعون ثمن أزمة ناجمة عن عدم كفاءة - أو فساد - النخبة المالية والسياسية.
قال العديد من الصيارفة والاقتصاديين والمصرفيين إن مدخرات اللبنانيين يتم الاتجار بها فعليا على نطاق واسع لتقليل الخسائر المصرفية مع الحفاظ على امتياز وصول النخبة إلى السيولة. لقد تم إنقاذ الأغنياء، بفضل العلاقات السياسية أو "الواسطة"، التي يُزعم أنها سمحت للكثيرين بإنقاذ مدخراتهم من النظام المنهار.


لطالما كان الارتباط بالدولار الأمريكي هشا ما دامت لبنان بلدا يصدر القليل ويستورد معظم احتياجاته. وللحفاظ على الارتباط، قدم البنك المركزي اللبناني أسعار فائدة أعلى من أي وقت مضى للمصارف الخاصة، والتي مررت بعض أسعار الفائدة هذه إلى العملاء لجذب المودعين. لكن في النهاية كان لا بد من انهيار.

 

مع تصاعد ديون الحكومة والبنك المركزي في عام 2019، بدأ المودعون يفقدون الثقة، وبدأ المغتربون الذين كانت تحويلاتهم المالية المصدر الرئيسي للأرباح الأجنبية في حجب الودائع، وبدأ النظام في التراجع مع خروج اللبنانيين إلى الشوارع للاحتجاج على الانهيار الاقتصادي الوشيك للبلاد. أدى تخلف الحكومة عن سداد سندات مقومة باليورو في آذار/ مارس 2020 إلى تسارع دوامة الانهيار.


فُرضت تكلفة غير متناسبة للأزمة على المودعين الصغار إلى المتوسطين في البلاد. لم يعلن أي من بنوك الدولة إفلاسه، وقد تم تجاهل اقتراح سابق يفيد بفرض تخفيض رأس المال فقط على كبار المودعين أو المساهمين. علاوة على ذلك، يُزعم أن غياب قانون ضوابط رأس المال الذي يحظر قانونا هروب رأس المال قد استغل من قبل الأثرياء لتحويل أموالهم إلى بنوك في سويسرا أو فرنسا. على الرغم من أن الرقم الدقيق موضع خلاف، تشير التقارير إلى أنه كان من الممكن تهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار إلى خارج البلاد. في غضون ذلك، كان على المودعين اللبنانيين الصغار إلى المتوسطين، بمن فيهم المحتجون الذين حذروا من الانهيار في عام 2019، التعامل مع ضوابط رأس المال غير الرسمية لتجميد حساباتهم أو الانسحاب بخسارة فادحة.


اعترف مصرفي كبير تحدث إلى فورين بوليسي بشرط عدم الكشف عن هويته أن الأثرياء استخدموا علاقاتهم السياسية لتحويل أموالهم إلى الخارج. وقال المصرفي "فرضت البنوك قيودا صارمة على رأس المال بهدف وقف الانهيار المالي.. ومع ذلك، فقد ضغطت النخبة السياسية والثرية على البنوك لتحويل الأموال إلى الخارج. وفي ظل عدم وجود قانون لمراقبة رأس المال، فإن مثل هذه التحويلات ليست غير قانونية ومع ذلك فهي، من نواح كثيرة، غير أخلاقية وخاطئة. وقعت مثل هذه الحوادث في معظم البنوك وعادة ما يكون ذلك مع ضغوط شديدة على إدارة البنك".


محمد هو أحد الصرافين الكثيرين في العاصمة اللبنانية بيروت. اختار أن يتم تحديد هويته من خلال اسمه الأول فقط وتحدث كيف أن أسعار الصرف التي لا يمكن توقعها تعمل لغير صالح المستهلكين العاديين ويتم التعامل بها بطريقة ترقى إلى السرقة غير المباشرة. يتسلم محمد الليرة اللبنانية من سوبر ماركت يسحبها من بنكه المحلي بسعر 3900 ليرة للدولار.

 

ولكن بما أن السوبر ماركت يحتاج إلى الدولارات لاستيراد البضائع التي يبيعها - والبنوك لا تقدم أي شيء - فإنه يحتاج إلى شراء الدولارات من السوق السوداء. يتتبع محمد المئات من أمثاله على مجموعات الواتساب حيث يتم تحديد سعر السوق الحرة حسب قوله. وقال: "إذا كان هناك طلب على المزيد من الدولارات، فعندئذ ينخفض السعر، وهو ما يحدث دائما الآن". فيقوم هو بإرسال رسائل مليئة بالرسوم التعبيرية لأولئك الذين لديهم دولارات مخبأة، وقال في أحد رسائله: "صباح الخير للجميع [رسم تعبيري للشمس المشرقة]. المعدل مرتفع بشكل استثنائي اليوم، عند 11800 ليرة لبنانية للدولار .. اتصل بي".  ومع رزم من الليرات اللبنانية في حقيبته، يتجول محمد في شوارع بيروت على دراجته النارية ويقدم خدمة التوصيل النقدي إلى المنزل.


إنه يتقاضى عمولة صغيرة عن كل عملية صرف ويسلم الدولارات إلى مدراء السوبر ماركت الذين يحولونها إلى مورديهم في الخارج لاستيراد البضائع. لكن السوبر ماركت لا يدفع ثمن الفرق بين سعر البنك المحلي البالغ 3900 ليرة وسعر الصرف في السوق من 11 ألف ليرة إلى 15 ألف ليرة. وبدلا من ذلك، تمرر الأسعار المرتفعة لسلعها المستوردة للمستهلكين، رغم أنهم سحبوا أموالهم بسعر 3900 ليرة للدولار.


قال نزار غانم، المحلل اللبناني في السياسة الاقتصادية ومدير مؤسسة تراينغل البحثية، إن تكلفة الأزمة المالية يتم تحميلها عمدا للأضعف. وقال: "يتعمد البنك المركزي السماح لتجارة العملة بأسعار صرف متعددة.. فمن ناحية، يمنع الناس من سحب الأموال ويحافظ على البنوك آمنة، ومن ناحية أخرى، إذا قاموا بسحب الأموال، فإنهم يتحملون الخسارة .. وبدلا من إعادة هيكلة البنوك، وهو ما كان يعني أن صندوق النقد الدولي ينظر في الميزانيات العمومية وإجمالي الخسائر لتحديد البنوك التي يجب أن تفلس، تم تحميل التكلفة لصغار المودعين".


قال خالد زيدان، رئيس مجلس إدارة بنك الائتمان الوطني المحلي، إن البنوك أصبحت هدفا للمتظاهرين، لكنها كانت تخسر أيضا. وقال "بشكل عام، البنوك هي في الواقع أكبر الخاسرين خلال الأزمة الحالية بعد أن اعتبرنا أن رأسمال البنوك بالليرة اللبنانية وبالتالي انخفضت قيمته بالقيمة الحقيقية بشكل كبير". لكنه وافق على أن سعر الصرف البالغ 3900 ليرة يسمح للبنوك بتقليص خسائرها.


"تسمح التعميمات الحالية الصادرة عن مصرف لبنان، ولا سيما التعميم 151، للمصارف بتزويد كل صاحب حساب بالدولار الأمريكي بسحب ما يصل إلى 5000 دولار بالليرة اللبنانية بسعر 3900 ليرة لبنانية للدولار، وهو سعر أعلى من السعر الرسمي ولكنه أقل من سعر السوق السوداء. يساعد هذا التعميم البنوك على تقليل إجمالي التزاماتها بالدولار مع تقلص حجم الودائع بالدولار الأمريكي".


على الرغم من الاحتجاجات، وانهيار الاقتصاد، وانفجار ميناء دمر أجزاء كثيرة من عاصمة البلاد، لم يطرأ أي تغيير على السياسات الأساسية للبلاد. فشلت الحكومة حتى الآن في تقديم خطة مالية ونقدية متماسكة لإخراج الاقتصاد من الأزمة واستمرت في التباطؤ في الإصلاحات التي طالب بها صندوق النقد الدولي  قبل أن يقدم قرض الإنقاذ الذي تمس الحاجة إليه لإنعاش الاقتصاد.


بدلا من ذلك، أصبح المجتمع الدولي عالقا في مأزق. لا يستطيع تقديم قرض صندوق النقد الدولي بدون إصلاحات، لكنه لا يستطيع أن بترك الفقراء يتضورون جوعا. ووفقا للأمم المتحدة، كان يُنظر إلى أكثر من 55% من سكان البلاد على أنهم "يحاصرهم الفقر ويكافحون من أجل الضروريات" في عام 2020 مقارنة بنسبة 28% في عام 2019. "لقد سجل الفقر المدقع زيادة بمقدار ثلاثة أضعاف من 8% في عام 2019 إلى 23% في 2020 ".


لحل هذا اللغز، قرر البنك الدولي تقديم 246 مليون دولار لأفقر السكان، لكن قرار البنك المركزي بصرفها للمستحقين بسعر 6240 ليرةا للدولار، أي نصف سعر السوق، تسبب في غضب واسع النطاق. أراد البنك المركزي اللبناني ظاهريا استخدام ما تبقى من الأموال لمواصلة دعم الطحين والوقود والأدوية. ولكن يقول الناشطون إن الدعم أصبح أداة للطبقة الحاكمة الفاسدة للسيطرة على الغضب الشعبي ويتم استغلالها بشكل أكبر للحصول على عمولات، ومن خلال التهريب، لدعم الحلفاء الإقليميين.

 

وتساءل غانم: "لماذا يتم دعم الفياغرا؟ ..يسيطر عدد قليل من العائلات على صناعة الأدوية في لبنان، ويقررون ما يتم دعمه لتحقيق أرباحهم الخاصة. لقد مارسوا ضغوطا ضد قانون بشأن ما يجب دعمه بالضبط ".


وقال المحلل المستقل سامي نادر إن دعم الوقود تم استغلاله لتهريب الوقود الرخيص إلى سوريا وبالتالي دعم نظام الرئيس بشار الأسد. وقال نادر "الإعانات لا تدعم الفقراء بل التجار والمهربين الذين يهربون الوقود إلى سوريا وبالطبع القوى التي تحميهم. في جميع أنحاء العالم، أفضل طريقة لدعم الفقراء هي التحويل النقدي".


لقد أغرقت الأزمة في لبنان الناس في براثن الفقر. هناك عروض منتظمة للسلع الأساسية في محلات البقالة، حتى على العناصر المنتجة محليا مثل زيت الزيتون. ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 400% مع تضاعف سعر الخبز وتضاعف سعر الخضار أربع مرات.

 

أدى انعدام الأمن الغذائي إلى زيادة حدة الانقسامات الطائفية وتعميق الانقسام بين اللاجئين السوريين ومضيفيهم اللبنانيين. يتم الآن انتقاد اللاجئين بسبب استهلاكهم للسلع المدعومة. اضطر الجميع في لبنان إلى خفض إنفاقهم، مما أدى بدوره إلى تقليص أرباح الشركات المحلية. كما أن صناعة السياحة، وهي واحدة من الصناعات القليلة في البلاد التي كانت سليمة بشكل أساسي، أصبحت تعاني بسبب الوباء.


إنها صورة قاتمة لمعظم اللبنانيين، باستثناء النخب التي يبدو أنها نجت من الأزمة سالمة. ولا تزال الأحزاب السياسية تتجادل بشأن الوزارات وأخرت تشكيل حكومة جديدة. هذا يعني أنه لا أحد لديه السلطة لفرض التغييرات التي تحتاجها البلاد ووضع حد لنظام المراجحة الذي يفيد الأثرياء.



إقرأ المزيد