ما سرُّ التقارب الاقتصادي بين الصين والهند الآن؟
مأرب برس -

الخميس 21 أغسطس-آب 2025 الساعة 05 مساءً / مأرب برس - ارم بزنس

 

تشترك الهند والصين في علاقة معقدة، إذ تجمعهما منافسة إقليمية تاريخية، وصراعات حدودية أودت بحياة جنود خلال السنوات الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه علاقة تتسم بترابط اقتصادي متزايد.

 

فبينما تحتاج نيودلهي إلى التكنولوجيا والمواد الأساسية الصينية لتعزيز طموحاتها الصناعية، ترى بكين في الطبقة الوسطى الهندية الصاعدة سوقاً استهلاكية ضخمة.

 

رغم التوترات، تسعى الدولتان إلى ترميم العلاقات، خاصة بعد اشتداد النزاع التجاري الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد كليهما، ما وضعهما في خندق اقتصادي واحد.

 

ويستعد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لزيارة الصين في 31 أغسطس، في أول زيارة منذ 7 سنوات، للمشاركة في قمة كبرى.

 

جذور التوتر التاريخي

منذ استقلال الهند العام 1947، بدأت العلاقة مع الصين بالتقارب، لكن ضمّ بكين للتبت، العام 1950، أشعل التوترات بين الجانبين. وزاد منح نيودلهي حق اللجوء للدالاي لاما، العام 1959، من حدة الخلاف، قبل أن تنفجر حرب حدودية، العام 1962، انتهت بانتصار الصين.

 

بقيت القضايا الحدودية في منطقتي أكساي تشين وأروناشال براديش دون حل، ما رسخ حالة عدم الثقة.

 

خلال الحرب الباردة، تقاربت الهند مع الاتحاد السوفييتي فيما وقفت الصين على الضفة المقابلة.

 

وبعد التسعينيات، تراجعت حدة التوتر نسبياً، إلا أن توسع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية في محيط الهند، وتنامي نفوذ بكين الاقتصادي، أعادا الشكوك بقوة.

 

صدامات حديثة وتراجع الثقة

شهدت العلاقات هزات جديدة مع أزمة دوكلام العام 2017، ثم المواجهة الدامية في وادي جالوان، العام 2020، التي جمدت العلاقات.

 

فيما ردت نيودلهي بتشديد القيود على الشركات الصينية، من حظر معدات «هواوي» وتطبيق «تيك توك»، إلى رفض استثمارات بمليارات الدولارات من شركات، مثل: «بي واي دي» و«غريت وول موتور». كما اقتربت الهند أكثر من الولايات المتحدة لتعزيز موقفها في مواجهة النفوذ الصيني.

 

حاجة الهند إلى الصين

تعتمد الهند بشدة على الواردات الصينية لدفع طموحاتها الصناعية، فقد استوردت ما يقارب 48 مليار دولار من الإلكترونيات والمعدات الكهربائية العام 2024، إضافة إلى اعتماد صناعة الأدوية الهندية على المكونات الفعالة المستوردة من الصين.

 

كما تحتاج نيودلهي إلى المعادن النادرة الصينية لتطوير صناعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والإلكترونيات. ورغم محاولات تنويع المصادر، ما زالت البدائل محدودة، ما يدفع كبريات التكتلات الهندية – مثل: «أداني» و«جيه إس دبليو» – إلى استكشاف شراكات مباشرة مع شركات صينية كبرى، مثل: «كاتل» و«بي واي دي».

 

في المقابل، ترى بكين في السوق الهندية فرصة إستراتيجية للتوسع مع تباطؤ النمو المحلي. فالهند استوردت وباعت نحو 156 مليون هاتف ذكي العام 2024، وهو ما يفتح المجال أمام شركات صينية، مثل: «شاومي» و«فيفو» و«أوبو» لترسيخ هيمنتها.

 

كما أن سوق السيارات الهندية – ثالث أكبر سوق في العالم – تمثل هدفاً لشركات مثل «بي واي دي»، التي تسعى للاستحواذ على حصة تصل إلى 40%.

 

إلى جانب ذلك، استثمرت شركات التكنولوجيا الصينية، مثل: «علي بابا» و«تينسنت»، مليارات الدولارات في شركات ناشئة هندية بارزة، مثل: «بايتم» و«زوماتو» و«أولا إلكتريك»، مدفوعة بالتحول الرقمي السريع في الهند.

 

إشارات على انفراج حذر

خلال العام الماضي، تبادلت الدولتان زيارات رفيعة المستوى؛ حيث زار وزير الخارجية الهندي بكين للمرة الأولى منذ 2020، فيما زار نظيره الصيني نيودلهي بعد غياب 3 سنوات.

 

كما خففت الصين قيود تصدير اليوريا إلى الهند، وأعادت الأخيرة إصدار تأشيرات سياحية للصينيين، مع الاستعداد لفتح رحلات جوية مباشرة.

 

من المنتظر أن يلتقي مودي بالرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين نهاية أغسطس، في خطوة يُنظر إليها كمؤشر على محاولة ترميم الجسور.

 

مستقبل العلاقة: تعاون حذر أم تنافس طويل؟

ورغم مؤشرات الانفراج، تبقى الحدود غير مرسمة والنزاعات القديمة عالقة، ما يحد من فرص مصالحة شاملة. تخشى الهند الوقوع في فخ الاعتماد المفرط على الصين، فيما تتحسب بكين من أن تتحول شراكاتها التقنية إلى قاعدة انطلاق لمنافس قوي في المستقبل.

 

الرهان الأساس يكمن فيما إذا كانت الهند ستنجح بتأمين التكنولوجيا اللازمة لتحقيق أهدافها المناخية والتنموية، أم أن الصين ستُحجم عن نقل الخبرات خوفاً من منافس جديد. وبالمقابل، يظل السوق الهندي مغرياً للشركات الصينية، لكنه يحمل معها مخاطرة إنبات خصم إستراتيجي جديد.



إقرأ المزيد