محادثات مرتقبة.. 6 أسباب وراء تأخر عودة إيران للمفاوضات النووية
الخليج الجديد -

بعد أشهر من تولي "إبراهيم رئيسي" الرئاسة في إيران، ستشهد نهاية الشهر الجاري استئناف المحادثات النووية التي توقفت مع نهاية ولاية الرئيس السابق "حسن روحاني". والسؤال هو لماذا استغرق الأمر أكثر من 5 أشهر لاستئناف المناقشات؟ هناك 6 تفسيرات مهمة لهذا التأخير الطويل:

استرضاء المتشددين

سيترأس نائب وزير الخارجية الإيراني الحالي "علي باقري" فريق التفاوض الإيراني في محادثات فيينا. وكان "باقري" سابقًا نائب كبير المفاوضين النوويين السابق "سعيد جليلي" في المحادثات النووية المطولة وغير المجدية التي جرت خلال رئاسة "محمود أحمدي نجاد"، وهو نفسه أحد أشد المنتقدين للاتفاق النووي لعام 2015.

ومثل جميع الوزراء تقريبًا في حكومة "رئيسي" الحالية، سخر "باقري" من "روحاني" لتوقيعه الاتفاق. لذلك ليس من المستغرب أن فريق التفاوض الجديد اختار تأخير إعلان العودة إلى المحادثات النووية قدر الإمكان لتلبية رغبات معسكره الداخلي، فكل أولئك الذين ألقوا باللوم على الاتفاق فيما يتعلق بمشاكل البلاد على مدى السنوات الماضية يريدون الآن طمأنة دوائرهم المتشددة بأنهم لن يعيدوا إحياء الاتفاقية.

في الواقع، لم يستخدم "باقري" كلمة "الاتفاق النووي" أو "استمرار أو استئناف محادثات فيينا" في منشوراته على "تويتر". وبدلاً من ذلك، يسعى إلى إقناع معسكره السياسي بأن فريق "رئيسي" الدبلوماسي يدخل مفاوضات جديدة تهدف إلى رفع العقوبات.  ويرى المراقبون أن ذلك مجرد خدعة كلامية لمغازلة القاعدة المتشددة.

زيادة النفوذ في فيينا

تتمثل إحدى التكتيكات الكلاسيكية للمتشددين في إيران أثناء المناقشات مع الدول الغربية في زيادة قدرتهم على المساومة. ويحاول هؤلاء السياسيون، الذين يرفضون عادة التفاوض مع الغرب، القدوم إلى طاولة المفاوضات بكل ما لديهم. وخلال إدارة "أحمدي نجاد"، حاول المسؤولون الإيرانيون زيادة نفوذهم من خلال توسيع البرنامج النووي.

وبالرغم أن المحادثات المطولة التي قادها "جليلي" لم تسفر عن أي نتائج بسبب عدم وجود خطة مناسبة للاجتماعات، فإن إيران تتبع نفس المسار مرة أخرى وتصل إلى المشاورات بمستوى مرتفع للغاية من تخصيب اليورانيوم.

وسمح الاتفاق لإيران باستخدام الجيل الأول فقط من أجهزة الطرد المركزي وبنسبة تخصيب لا تتجاوز 3.67% فقط. ومع ذلك، تستخدم طهران الآن أجهزة طرد مركزي متطورة وزادت مستوى التخصيب إلى 20% وحتى 60% في بعض الحالات في انتهاك مباشر للاتفاق.

نتيجة لذلك، يعتقد فريق التفاوض الجديد أنه كلما ابتعدوا عن شروط الاتفاقية، كلما زاد نفوذهم. ويرى هؤلاء أن بإمكانهم طلب المزيد من التنازلات من الولايات المتحدة والدول الأوروبية مقابل عكس الخطوات التي قطعتها طهران.

اضطراب سياسة "رئيسي" الخارجية

في المناظرة الرئاسية الإيرانية الأخيرة في 12 يونيو/حزيران، أعلن المرشح "إبراهيم رئيسي" حينها أن حكومته ستلتزم بالاتفاق النووي. ومع ذلك، انتقد الوفد المرافق له بشدة الرئيس السابق "روحاني" بسبب الاتفاق وبدا أنه ضده منذ البداية.

ومن المرجح أن "رئيسي" كان يعلم قبل الانتخابات أنه إذا تحدث عن التخلي عن الصفقة، فإن عدد الأصوات المعارضة له سيزداد. ولكنه الآن يواجه طريقًا وعرًا نحو تنشيط الاتفاق واستئناف المحادثات النووية في فيينا حيث أن فريقه الدبلوماسي مليء بالمعارضين.

 علاوة على ذلك، فإن نظرة فاحصة على التعليقات التي أدلى بها العديد من المسؤولين الحكوميين خلال الأشهر القليلة الماضية تظهر اضطرابًا في سياسة إيران الخارجية.

وأعلن وزير الخارجية "حسين أمير عبد اللهيان" في التلفزيون الإيراني الرسمي في 3 أكتوبر/تشرين الأول أنه طلب من الولايات المتحدة إلغاء تجميد ما لا يقل عن 10 مليارات دولار من الاحتياطيات المالية الإيرانية المجمدة قبل بدء المحادثات النووية. لكن في غضون أيام، في 6 أكتوبر/تشرين الأول، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية "سعيد خطيب زاده" أن يكون "عبد اللهيان" قد وضع شرطا مسبقا لعودة إيران إلى المحادثات.

كما أدلى "رئيسي" بتصريحات متناقضة بشأن موعد استئناف المحادثات، مما يدل على عدم وجود دبلوماسية متماسكة الأمر الذي ساهم في تأخير إعلان إيران عن العودة إلى فيينا.

التشكيك في هدف البرنامج النووي

بينما أصدر المرشد الأعلى لإيران فتوى تحظر إنتاج وحيازة الأسلحة النووية زاعمًا أنها لن تسعى لامتلاك مثل هذه الأسلحة، يبدو أن المتشددين الذين أحكموا قبضتهم على السلطة في عهد "رئيسي" على استعداد لمراجعة عقيدة الأمن القومي للدولة.

وربما يكون الانسحاب غير المتوقع لإدارة "ترامب" من الاتفاق قد أوصل المتشددين في إيران إلى استنتاج مفاده أنه يتعين عليهم دفع البرنامج النووي نحو بناء أسلحة. وإذا تم الإعلان عن نيتهم ​​الحقيقية لبناء أسلحة نووية وتسريبها إلى وسائل الإعلام، فسيكون لذلك عواقب وخيمة.

وتقتنع هذه الدوائر التي تؤمن بنظرية الردع النووي بأنه إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا فإن خطر وقوع هجوم أجنبي على إيران سيزول إلى الأبد وستضمن الجمهورية الإسلامية بقاءها في المستقبل.

وفي حين أن العديد من النخب الحاكمة الحالية في الجمهورية الإسلامية لا يؤيدون فكرة متابعة برنامج نووي عسكري، فإن الرغبة الخفية في تطوير برنامج نووي هي سبب لا يمكن إنكاره للتأخير في عودة إيران إلى طاولة المفاوضات.

وجهة نظر إيران حول إدارة "بايدن"

كان صانعو السياسة الإيرانيون متفائلين بعد الانسحاب المتسرع لإدارة "بايدن" من أفغانستان، والذي كان مفاجأة للكثيرين. وكانت طهران مبتهجة بشكل خاص لأن الولايات المتحدة لن يكون لها بعد الآن قاعدة عسكرية بجوار إيران في أفغانستان. وكان الخروج أيضًا منسجماً مع استراتيجية إيران التي تستهدف انسحاب الولايات المتحدة بالكامل من الشرق الأوسط.

علاوة على ذلك، فإن انسحاب القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي من أفغانستان أكد افتراضات مسؤولي الجمهورية الإسلامية طويل الأمد بأن إدارة "بايدن" كانت تراجع أولوياتها في الشرق الأوسط وأن واشنطن لم تعد تريد الانخراط في المنطقة، مما يسمح لإيران بمواصلة تطوير أسلحتها بعيدا عن أعين أمريكا.

وبناءً على ذلك، قد تفترض طهران أنه إذا استمرت في برنامجها النووي، فإن رد الفعل العسكري من جانب الولايات المتحدة لن يكون مطروحا على الطاولة. وهذا التصور منطقي لأن العقوبات الأمريكية ضد إيران قد وصلت بالفعل إلى ذروتها.

نتيجة لذلك، يعتقد المسؤولون الإيرانيون بقوة أن "بايدن" لن يتخذ إجراءات أكثر صرامة ضد طهران مما هو قائم. لقد طغت هذه الفكرة على تحليلاتهم وسياساتهم فيما يتعلق بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، ولعبت دورًا في زيادة التردد في العودة إلى طاولة المفاوضات.

قلق إيران من أن الصفقة مع "بايدن" قد لا تدوم

ربما كان أحد الأسباب الرئيسية التي أبعدت إيران عن المحادثات النووية هو الخوف من تجربة إدارة "ترامب" مرة أخرى. وبالرغم من التزام إيران الكامل بشروط خطة العمل الشاملة المشتركة ، قرر الرئيس الجمهوري الانسحاب من جميع الاتفاقيات التي وقعها الرئيس "أوباما".

ويشعر المسؤولون الإيرانيون الآن بالقلق من احتمال عودة "ترامب" أو أحد أتباعه الجمهوريين المتحمسين إلى البيت الأبيض في عام 2024 مما يهدد أي اتفاق جديد.

وقال السناتور الجمهوري عن تكساس "تيد كروز" على "تويتر" في 31 أكتوبر/تشرين الأول: "ما لم يصادق مجلس الشيوخ على أي اتفاق مع إيران باعتباره معاهدة (وهو ما يعرف "بايدن" أنه لن يحدث) فمن المؤكد بنسبة 100% أن أي رئيس جمهوري في المستقبل سوف يمزقها".

ويعتبر "تيد كروز" مجرد واحد من العديد من المسؤولين الأمريكيين الصقور الذين يرغبون في تخويف إيران حتى لا تعود إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن وابقاء المسؤولين الإيرانيين متشككين بشأن مستقبل اتفاق جديد محتمل.

في النهاية، بالرغم من هذه الأسباب الستة التي أخرت قرار إيران باستئناف محادثات إحياء الاتفاق النووي لأكثر من 5 أشهر، سيعقد الطرفان الجولة السابعة من المحادثات في فيينا في 29 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. ومع ذلك، لا تزال هذه العوامل الستة قائمة، مما يترك الكثير من الشكوك لدى المراقبين السياسيين حول نجاح المحادثات المستقبلية.



إقرأ المزيد