مأرب برس - 11/4/2026 7:41:31 PM - GMT (+3 )
الأربعاء 04 نوفمبر-تشرين الثاني 2026 الساعة 07 مساءً / مأرب برس- صنعاء
حين تتحول الإدارة إلى أداة للبطش، وتصبح الرواتب وسيلة للابتزاز، والوظائف أوراقاً للمساومة، وكرامة الأكاديميين والموظفين مستباحة، فإننا لا نكون أمام خلل إداري عابر، بل أمام نموذج خطير لإدارة تتعامل مع مؤسسة أكاديمية عريقة وكأنها إقطاعية خاصة تُدار بمنطق النفوذ والإخضاع لا بالقانون والمسؤولية.
ما يجري داخل جامعة العلوم والتكنولوجيا لم يعد مجرد قرارات إدارية مثيرة للجدل، بل مسلسل متواصل من التضييق واستهداف الحقوق، بدأ بقطع المستحقات، وفصل الأكاديميين والموظفين، وفرض استقطاعات وصلت في بعض الحالات إلى نصف الراتب، وإيقاف رواتب موظفي المراكز، وصولاً إلى التعامل مع المطالبات الحقوقية باعتبارها تمرداً يستوجب القمع بدلاً من الإنصاف.
ولعل المشهد الأكثر فجاجة ما حدث عندما خرج عدد من الموظفين في مظاهرة احتجاجية للمطالبة بحقوقهم ومستحقاتهم، فما كان من القاسم، وفق ما يُتداول بشأن الواقعة، إلا طلب طقم عسكري لفض الاحتجاج!
تأملوا هذه المفارقة الفاضحة: موظفون يطالبون بحقوقهم ورواتبهم، وإدارة يُفترض أن تكون مسؤولة عن معالجة معاناتهم، فإذا بها تتجه إلى استدعاء العسكر لمواجهة أصواتهم!
أإلى هذا الحد أصبحت المطالبة بالراتب تهديداً يستدعي القوة؟ وهل تحولت الجامعة من صرح أكاديمي إلى ثكنة تُواجَه فيها المطالب الحقوقية بالأطقم العسكرية؟
ولم يقف الأمر عند مصادرة الحقوق ومحاولة إسكات الاحتجاجات، بل امتد إلى المساس بكرامة الأكاديميين والموظفين.
فبحسب ما يُتداول من شهادات ومواقف داخل الجامعة، لم يسلم بعض الأكاديميين والموظفين من الألفاظ غير اللائقة والعبارات المهينة، بل وصل الأمر إلى اتهامهم بالسرقة، في محاولة تثير تساؤلات خطيرة حول أسلوب التعامل مع الكادر الذي يفترض أن تُصان كرامته وتُحترم مكانته.
فهل أصبح الأكاديمي الذي يطالب بحقه متهماً؟ وهل بات الموظف الذي يعترض على قطع راتبه مستباح السمعة والكرامة؟
إن كانت هناك مخالفات مالية حقيقية، فهناك تحقيقات وأدلة وجهات مختصة، وليس من حق أي مسؤول أن يحوّل سلطته إلى منصة لإطلاق الاتهامات والتشهير بالعاملين. فالمناصب لا تمنح أصحابها حصانة لإهانة الناس، والإدارة ليست ترخيصاً لممارسة التعالي والإساءة.
أما المفارقة التي تكشف ازدواجية المعايير، فتظهر بوضوح في ملف نجل القاسم.
فبينما يُضيَّق على الموظفين، وتُقطع مستحقاتهم، ويُفصل بعضهم، وتُواجه احتجاجاتهم بالقوة، تبرز واقعة فصل نجل القاسم ثم إعادته إلى الوظيفة في مشهد وصفه منتقدون بأنه مسرحية إدارية هزيلة، تفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن حقيقة القرار، وأسباب التراجع عنه، والمعايير التي تحكم التعيين والفصل والإعادة داخل الجامعة.
وتزداد خطورة هذه التساؤلات مع ما يُثار بشأن مبالغ مالية تجاوزت 120 مليوناً مرتبطة بنجل القاسم، وهي قضية تستحق كشفاً واضحاً للحقائق، ونشر الوثائق، وفتح تحقيق مالي وإداري مستقل يحدد طبيعة هذه المبالغ ومصدرها وأوجه صرفها والمسؤوليات المتعلقة بها، بعيداً عن الحماية والنفوذ.
وهنا لا بد من طرح السؤال: كيف تصبح حقوق الموظفين عاجزة عن الوصول إلى أصحابها، بينما تثار مثل هذه الملفات المالية والوظيفية المتعلقة بنجل المسؤول؟ وأي عدالة إدارية يمكن الحديث عنها حين تبدو المعايير مختلفة بين الموظف العادي وأصحاب النفوذ؟
إن القضية لم تعد مجرد رواتب متأخرة أو استقطاعات مجحفة، بل أصبحت سؤالاً عن طبيعة الإدارة نفسها: هل تُدار الجامعة وفق اللوائح والقوانين، أم وفق حسابات النفوذ والمصالح والعلاقات؟
بدلاً من إعادة الحقوق، تُستدعى القوة. وبدلاً من فتح أبواب الحوار، تُستخدم الإهانة والاتهامات. وبدلاً من تقديم إجابات عن الأموال والمستحقات، يُواجَه الموظف بالتضييق والتخويف.
إن الموظفين ليسوا خصوماً للإدارة، والأكاديميين ليسوا عبئاً على الجامعة، والمطالبة بالحقوق ليست جريمة. بل إن المسؤول الحقيقي هو من يواجه الاختلالات بالشفافية والمحاسبة، لا من يحاول إسكات الأصوات التي تكشفها.
فالجامعة ليست ملكاً للقاسم، والوظائف ليست امتيازات عائلية، والموارد المالية ليست ملكية شخصية، وكرامة العاملين ليست أمراً خاضعاً لمزاج المسؤول.
ومن استنزاف جامعة صنعاء إلى ما يجري اليوم في جامعة العلوم والتكنولوجيا، تتكرر الأسئلة ذاتها حول استغلال النفوذ، والتحكم في المؤسسات، ومصادرة الحقوق، وغياب المساءلة.
فإلى متى يظل القاسم يتعامل مع الجامعات وكأنها إقطاعيات خاصة؟ ومن يحاسبه على حقوق الموظفين ومقدرات المؤسسات وكرامة الأكاديميين؟ ومن يكشف حقيقة المبالغ المالية المثارة حول نجله؟ ومن يوقف مسلسل الإهانات والاتهامات والتضييق على العاملين؟
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه مؤسسة اكاديمية هو أن يصبح المطالب بحقه متهماً، وصاحب الصوت الرافض مستهدفاً، وأن تتحول الإدارة إلى سلطة تخويف، فيما تظل ملفات الحقوق والأموال والامتيازات بلا إجابات واضحة.
يا قاسم، الجامعة ليست مزرعة خاصة، والأكاديميون ليسوا أجراء تحت رحمتك، والموظفون ليسوا عبيداً في إدارتك. لا تملك حق مصادرة أرزاقهم، ولا إهانة كرامتهم، ولا إسكات أصواتهم بالقوة.
إقرأ المزيد


